02 May, 2015

الأندلس و شعرها الفني




الأندلس و شعرها الفني
 فيصل أنس
  إن الأدب الأندلسي هو  كان الأدب الحقيقي الذي تمتع به الأوربيون ولو كانوا انتقدوا علي الأدب العربي أنه كان الجمال اللفظي فقط ولكن ليس لديهم حتي كلمة واحدة من التنقيد ضد الأدب الأندلسي.  
نجد أول نموذج من الأدب العربي في الأندلس في خطبة فاتحها طارق ابن زياد. فكأنه قد قدرالله بداية حضارة الأندلس بالخطبة الأدبية المشهورة التي ليس لها نظير ولا مثال. فلم تتأخرت الأندلس أن تمتعت بالأدب العربي الشعر والنثر بعد قيام الدولة الإسلامية علي الفور . وهذا أصبح ممكنا لأن الفاتحين كانوا أهل اللغة العربية وكانوا مولعين بالشعر والأدب كطارق بن زياد وعبد الرحمن الداخل. والسبب الاخر هو أسفار الأدباء والشعراء من العراق والشام إليها.
ولو كانت الرقابة السياسية بين الشرق والغرب موجودة ولكن أهل الأندلس تتأثروا بشعراء الشرق و قلدوهم في الوزن والقافية والأصناف وجميع اللوازم الشعرية  واستفيدوا منهم  كثيرا. ولا تجد الفرق بين الشاعريتين إلا في المعاني. فالشاعرية الأندلسية تحتمل المعاني الملونة بفضل القرابة بالأوربا وما حولها من المناظر البهيجة والأزهار والأنهار. ويذكر ذلك الرافعي يقول" إن الأدب الأندلسي لايبزه في التاريخ إلا الأدب العراقي، ولقد يكون في الأندلس ما ليس في العراق من بعض فروع الحضارة والصناعة، غير الفرق ما بين الموطنين في زينة الطبيعة ونضارة الإقليم، إلا أن الأدب العراقي ممتاز بمتانة اللغة، ولقربة من البادية ولاستفحال الرواية هناك، و بكونه أصلا."
ومن أدباء الشرق الذين وصلوا الأندلس واستقروا هناك هم المغني الشهير زرياب المتوفي 852م و الأديب الباهر أبو علي القالي المتوفي 867م. ثم لاتزال تجري هذه السلسلة حتي طفقت الأندلس تنجب مثلهم من الشعراء الذين أثروا الشرق بفضاحتهم في اللغة ومهارتهم في فنون الشعر مثل المدح والغزل والرثاء والدعاء والزهد والتصوف والفلسفة والمزاح والمجون و عالجوا سياسة الإجتماع ونظموا حوادث التاريخ وأبدعوا ماشاءوا الإبداع في الوصف.
أصبح الشعر شغل أهل الأندلس ليلا ونهارا، فالأمير والمأمور والحاكم والمحكوم كلهم جعلوا ينشغلون به. فعبد الرحمن الداخل وحكم أول و عبد الرحمن الثاني ومحمد منذر وغيرهم الكثير من الأسرة الأموية كانوا شعراء ولهم دور هام في ترويج الشعر في الأندلس. وكذلك كان عامة الناس مولعين بالشعر ومارسوا فيه حتي فاق بعضهم بعض شعراء الشرق واعترف بذلك المتنبي. و من أهم شعراءها :
ابن عبد ربه (860-940) قال الشعر في الوصف والغزل ولقبه المتنبي بالمليح الأندلس وقال عنه " يا ابن عبد ربه لقد تأتيك العراق حبوا" وله:
بليت وأبليتني الليالي بكرها        وصرفان للأيام معتوران
ومالي لاأبلي أبلي لسبعين حجة    وعشر أتت من بعدها سنتان
ولست أبالي من تباريح علتي     إذا كان عقلي باقيا ولساني
ابن هانئ (938-974) هو أمير شعراء الأندلس الذي شعر من الطبيعة العالية أن يجمع بين سلاسة التفكير و سلامة التعبير وقد أعجب المتنبي بأسلوبه. قال في المدح والغزل أكثر. من أشعاره:
غرض ترامي في الخطوب فذا     قوس وذاسهم وذا وتر
فجزعت حتي ليس بي جزع   وحذرت حتي ليس بي حذري
ابن زيدون (1070-1004)  أعظم شعراء الأندلس وشعره هو الصورة الصحيحة لشعر الأندلس. وهو الذي ترك التقليد و شعر لنفسه. جل شعره في حب حبيبته ولكن قال غيره أيضا. وله:
أما رجا قلبي فأنت جميعه     يا ليتني أصبحت بعض رجائي
يدنو بوصلك حين شط مزاره    وهم أكاد به أقبل فاك 
ومن الشعراء الاخرين ابن حمديس الصقلي و ابن خفاجة و ابن الخطيب وابن حزم وابن عبدون وابن عماو و غيرهم الكثير.
وقد أعطت الأندلس الأدب العربي صنفي الشاعرية هما الموشح والزجل:
الموشح أو التوشيح من ميزات الشعر الأندلسي التي لانجد قبلها. اخترعه مقدم بن معافر الفربري كما قال ابن خلدون عنه وقال الرافعي إنه عبادة القزاز هو مخترعه و صنع محمد بن محمود أوزانه. والغناء والموسيقا هما من أسباب إختراعه . و قال الرافعي "إن الغناء هوالأصل في التوشيح" والمدة بين شيوع الغناء واستحداث الموشح لا تزيد عن نصف قرن. و جاء ابوبكر بن زهير الذي اتفق له الشعراء من بدائع الموشحات التي شرقت و غربت. و كذلك ابن الخطيب له بدائع كثيرة ثم العقيلي الوشاح و هلم جرا. نموذج من الموشح:
خذ حديث الشوق عن نفسي     وعن الدمع الذي همعا
ما تري شوقي قج وقدا            وهما دمعي وأطردا
واغتدي عليك سدي
الزجل كلام منظوم علي وزن مخصوص بقوافي مختلفة وهو صنف ثاني من اختراع الأندلسيين و أبوبكر بن قزمان هوالذي أول من قال به. ولو ظهر الزجل قبله أيضا لكن اشتهر في ذلك الزمن. وسبب اختراعه هوالشاعر نفسه. فإنه نظم في حب الصبيان في المكتب:
الِملاحُ ولادْ أماره        [ولاوْحاش] ولاد نَصاره
وابن قزمان جايغفر     ماقبلوا الشيخ غفاره
فقال الشيخ "قد هجوتنا بكلام مزجول" ومن هذا سمي زجلا.
وشاع الزجل في زمن ابن قزمان ونال به الشهرة عيسي البليدي وابن زاهر الأشبيلي والأخرون وأثر الزجل الشرق أيضا فإنهم أكثروا فيه الأوزان ومن أشهرهم علاءالدين بن مقاتل وابن حجة والأخرون.